الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
47
نفحات الولاية
ممكن الوجود لا واجب الوجود - وعليه فواجب الوجود ذات مطلقة غير محدودة في كافة أبعادها ، ولذلك كان سبحانه وتراً واحداً ليس له كفؤاً ولا شبيهاً ، لاستحالة قيام وجودين مطلقين من جميع الجهات ، وذلك لأنّ هذا التناقض إنّما يؤدي إلى محدودية الطرفين ، فهذا فاقد لوجود ذلك ، وذاك أيضاً فاقد لوجود هذا ( تأمل هذا الموضوع ) . وبعد أن تعرض الإمام عليه السلام لصفات الجمال والجلال ( الصفات الثبوتية والسلبية ) ، أشار عليه السلام إلى جانب من صفاته الفعلية سبحانه ، فقال : « فطر « 1 » الخلائق بقدرته ، ونشر الرياح برحمته ، ووتد « 2 » بالصخور « 3 » ميدان « 4 » أرضه » . لقد استوحيت هذه التعبيرات من بعض الآيات القرآنية ، فالعبارة « فطر الخلائق بقدرته » مستوحاة من الآية الشريفة « فاطِرِ السَّمواتِ وَالأَرضِ » التي وردت في عدّة سور قرآنية من قبيل : سورة يوسف / 101 وسورة إبراهيم / 100 وسورة فاطر / 35 وسائر السور المباركة . والعبارة « نشر الرياح برحمته » من الآية الشريفة « وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ » . « 5 » والعبارة « ووتد بالصخور ميدان أرضه » من الآية 15 من سورة النمل « وَأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ » . « 6 » وبالالتفات إلى ما ذكرنا من معنى « فطر » فإنه شبه الخلق بشق الحجاب الظلماني للعدم ؛ الحجاب المتسق والمنسجم الذي لا شق فيه ، غير أن قدرته المطلقة تشقه وتخرج منه المخلوقات ، وليس من شأن أية قدرة سوى قدرته أن تفعل هذا . فقد اتفقت كلمة الفلاسفة والمفكرين على استحالة استحداثنا لشيء من العدم ، أو تحويلنا من وجود إلى عدم ، وكل
--> ( 1 ) « فطر » من مادة « فطر » على وزن بمعنى شق الشيء من الطول ومنه الافطار في الصوم ( 2 ) « وتد » من مادة « وند » ( على وزن وقت ) بمعنى إثبات الشيء ولذلك يطلق الوتد على المسمار الذي يثبت في الأشياء ويمنحها الثبات أيضاً ، وأحياناً يطلق « الوتد » على وزن « الوقت » . ( 3 ) « الصخور » جمع « صخرة » ، وقال صاحب لسان العرب تعني الحجر الكبير الصلب . ( 4 ) « ميدان » من مادة « ميد » على وزن ( صيد ) بمعنى الحركة والاضطراب وميدان على وزن ( ضربان ) بهذا المعنى أيضاً و « ميدان » على وزن ( حيران ) وجمعه ميادين بمعنى الفضاء الواسع . ( 5 ) سورة الأعراف / 57 . ( 6 ) سورة النحل / 15 .